الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

304

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يفعلها إلّا أهل السفاهة . وقوله : مِنْكُمْ بمعنى بعضكم أنكر عليهم تمالؤهم على الباطل وانعدام رجل رشيد من بينهم ، وهذا إغراء لهم على التعقل ليظهر فيهم من يتفطّن إلى فساد ما هم فيه فينهاهم ، فإنّ ظهور الرشيد في الفئة الضالة يفتح باب الرشاد لهم . وبالعكس تمالؤهم على الباطل يزيدهم ضراوة به . [ 79 ، 80 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 79 إلى 80 ] قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ( 79 ) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) فصلت جملة قالُوا عن التي قبلها لوقوعها موقع المحاورة مع لوط - عليه السّلام - . و لَقَدْ عَلِمْتَ تأكيد لكونه يعلم . فأكد بتنزيله منزلة من ينكر أنه يعلم لأن حالة في عرضه بناته عليهم كحال من لا يعلم خلقهم ، وكذلك التوكيد في وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ، وكلا الخبرين مستعمل في لازم فائدة الخبر ، أي نحن نعلم أنك قد علمت ما لنا رغبة في بناتك وإنك تعلم مرادنا . ومثله قوله حكاية عن قوم إبراهيم لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [ الأنبياء : 65 ] . و ما الأولى نافية معلّقة لفعل العلم عن العمل ، و ما الثانية موصولة . والحق : ما يحقّ ، أي يجب لأحد أو عليه ، فيقال : له حق في كذا ، إذا كان مستحقا له ، ويقال : ما له حق في كذا ، بمعنى لا يستحقه ، فالظاهر أنه أطلق هنا كناية عن عدم التعلّق بالشيء وعن التجافي عنه . وهو إطلاق لم أر مثله ، وقد تحيّر المفسرون في تقريره . والمعنى : ما لنا في بناتك رغبة . وجوابه ب لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً جواب يائس من ارعوائهم . و لَوْ مستعملة في التمنّي ، وهذا أقصى ما أمكنه في تغيير هذا المنكر . والباء في بِكُمْ للاستعلاء ، أي عليكم . يقال : ما لي به قوة وما لي به طاقة . ومنه قوله تعالى : قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ [ البقرة : 249 ] . ويقولون : ما لي بهذا الأمر يدان ، أي قدرة أو حيلة عليه .